يحيي بن حمزة العلوي اليمني
42
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
قوله تعالى : وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ [ النور : 45 ] وإنما قدم الماشي على بطنه ؛ لأنه لما صدر الآية بالإخبار على جهة التمدح بأنه خالق لكل دابة من الماء ، فقدم في الذكر من يمشى على بطنه ؛ لأنه أدل على باهر القدرة وعجيب الصنعة من غيره ، وثنى بمن يمشى منهم على رجلين ؛ لأنه أدخل في الاقتدار ممن يمشى على أربع ، لأجل كثرة آلات المشي ، فيكون التقديم على هذا من باب تقديم الأعجب في القدرة فالأعجب ، ولو عكس الأمر في هذا فقدم الماشي على الأربع ثم ثنى بالماشى على رجلين ؛ ثم ختمه بالماشى على بطنه لكان له وجه في الحسن ، وعلى هذا يكون تقديمه من باب الأفضل فالأفضل ، لا يقال فأراه لم يقتصر على قوله : فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ [ النور : 45 ] فيكون فيه وفاء بذكر الصنفين ويكون ما عداهما مندرجا تحتهما فيدخل تحت الأول من لا رجل له من حيوان البر والبحر ، ويدخل تحت الثاني من يمشى على أكثر من رجلين ؛ ولا حاجة إلى ذكر من يمشى على أربع لاندراجه تحت ما قبله ، أو كان قد ذكر الأربع بذكر ما فوقها ، فلم خص هذه الأنواع الثلاثة ، لأنا نقول : إنما ذكر من يمشى على بطنه ولا بد من ذكره لما فيه من باهر القدرة ، ولأنه غير مندرج تحت غيره ، وخص من يمشى على رجلين ؛ لأن من جملتهم بني آدم ، فخصهم بالذكر لما لهم من مزيد الشرف على سائر الحيوانات ، ثم نبه بمن يمشى على أربع على سائر الحيوانات كلها ، ولم يذكر ما زاد على ذلك ؛ إما لأنه قليل بالإضافة إلى ذوات الأربع ، وإما لأنه يدخل بطريق الأولى لأنه إذا جاز أن يمشى على أربع فمشيه على أكثر منها أدخل في القدرة والجواز . ومن ذلك قوله تعالى : وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ [ يونس : 61 ] وقال في آية أخرى : لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ [ سبأ : 3 ] والتفرقة بينهما هو أنه أراد في الثانية ذكر إحاطة علمه وشموله لكل المعلومات الجزئية والكلية ، فلا جرم صدر بالسماوات قبل الأرض لاشتمالها على لطائف الحكمة وعجائب الصنعة ومحكم التأليف وكثرة المعلومات ، كما قال تعالى : وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ [ الأنعام : 75 ] وأما الأولى فإنها كانت مسوقة من شأن أهل الأرض كما قال تعالى : وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً [ يونس : 61 ] فقدم ذكر الأرض تنبيها